أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

وزارة الشباب والرياضة تُجرد من صلاحياتها.. إذا كانت المحافظات ستدير الرياضة، فلماذا لا تُلغى الوزارة




كتب: مهند عامر نوري


قرار جديد يفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول مستقبل وزارة الشباب والرياضة ودورها في إدارة القطاع الرياضي العراقي، بعد أن أقرت الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات نقل المديريات والمنتديات والأقسام والشعب والقاعات ودور الضيافة في بغداد والمحافظات إلى إدارة المحافظات، مع نقل ملاكاتها واعتماداتها المالية.

قد يبدو القرار للوهلة الأولى خطوة باتجاه اللامركزية ومنح المحافظات صلاحيات أوسع، لكن التدقيق في تفاصيله يقود إلى سؤال أكثر أهمية:


إذا كانت المحافظات ستدير المديريات والمنتديات والمنشآت والملاكات والاعتمادات المالية، فما الذي سيبقى لوزارة الشباب والرياضة؟


فالوزارة التي يفترض أن تكون الجهة الاتحادية المسؤولة عن قيادة قطاع الشباب والرياضة، ووضع الخطط والاستراتيجيات ومتابعة تنفيذها، ستفقد جزءاً كبيراً من أدواتها التنفيذية، بينما يتجه دورها بصورة متزايدة نحو رسم السياسة العامة فقط،

وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً وجرأة:

إذا كانت هذه هي فلسفة الحكومة في إدارة الرياضة، فلماذا لا تُلغى الوزارة وتوزع ملاكاتها وصلاحياتها على المحافظات والوزارات الأخرى؟


فالإبقاء على وزارة تحمل اسم «الشباب والرياضة»، مع سحب معظم أدوات العمل منها يجعل وجودها الإداري محل تساؤل حقيقي.


اللامركزية شيء.. وتجريد الوزارة شيء آخر


لا أحد يعترض على منح المحافظات صلاحياتها، ولا أحد يرفض اللامركزية إذا كانت ستسهم في تحسين الأداء وتطوير الخدمات،

لكن هناك فرقاً كبيراً بين توزيع الصلاحيات وبين تفريغ الوزارة من مضمونها.


يمكن للمحافظات أن تدير المنشآت والأنشطة المحلية، لكن من الضروري أن تبقى هناك جهة اتحادية قوية تمتلك رؤية وطنية موحدة وتضع المعايير وتراقب الأداء وتضمن عدالة توزيع الموارد وتشرف على تطوير الرياضة واكتشاف المواهب.


أما أن تنتقل المديريات والمنتديات والأقسام والشعب والملاكات والاعتمادات إلى المحافظات ثم نطلب من الوزارة قيادة قطاع الشباب والرياضة، فهذا أشبه بأن نطلب من مدرب قيادة فريق بعدما سحبت منه أدواته ولاعبوه!

كيف ستنفذ الوزارة سياستها وهي لا تملك أدوات التنفيذ؟.


منذ متى كانت الرياضة أولوية للمحافظات؟.


هذا السؤال ليس انتقاصاً من الحكومات المحلية، لكنه سؤال فرضه الواقع.

منذ متى كانت الرياضة والمنشآت الرياضية في مقدمة أولويات المحافظات؟

يكفي أن ننظر إلى حال العديد من الملاعب والقاعات والمنتديات الشبابية لندرك حجم المشكلة.


منشآت تعاني الإهمال، ملاعب تحتاج إلى صيانة، قاعات تفتقر إلى أبسط متطلبات العمل، ومنتديات شبابية فقدت الكثير من دورها،

وهذا الواقع هو الاختبار الحقيقي.


فإذا كانت الرياضة لم تحصل على الاهتمام الكافي في ظل الصلاحيات الحالية، فكيف نضمن أن تصبح أولوية بعد أن تنتقل إليها المزيد من المسؤوليات؟.


المحافظات أمامها ملفات خدمية واقتصادية وصحية وتربوية وأمنية كبيرة وعندما تتزاحم الأولويات، تكون الرياضة في كثير من الأحيان من أول القطاعات التي تدفع الثمن، لذلك فإن نقل المنشآت الرياضية إلى المحافظات من دون ضمانات واضحة للتمويل والصيانة والتطوير والرقابة قد لا يكون حلاً للمشكلة، بل نقلاً للمشكلة من جهة إلى أخرى.


الملاعب والمنشآت.. شاهد على الواقع


الحديث عن تطوير الرياضة لا يمكن أن ينفصل عن واقع منشآتها، فلا يمكن أن نتحدث عن رياضة متطورة بينما بعض ملاعبنا تعاني من الإهمال، وقاعاتنا الرياضية تحتاج إلى التأهيل، ومنتدياتنا الشبابية تعاني ضعف الإمكانات.


المنشأة هي نقطة البداية


من الملعب تبدأ صناعة اللاعب ومن القاعة تظهر الموهبة ومن المنتدى تبنى علاقة الشباب بالرياضة والنشاط.

ولهذا فإن أي قرار يتعلق بإدارة هذه المنشآت يجب أن يبنى على سؤال واحد:

من هو الطرف الأكثر قدرة على حمايتها وتطويرها وضمان بقائها مخصصة للرياضة والشباب؟

وحتى أراضي ومنشآت وزارة الشباب والرياضة لم تسلم من «الاستثمار» الذي يُسوق أحياناً تحت عنوان الاستثمار الرياضي، بينما يتحول في الواقع إلى مولات ومراكز تجارية ومشاريع لا علاقة حقيقية لها بالرياضة.


الاستثمار الرياضي الحقيقي مرحب به عندما يبني ملعباً أو قاعة أو مسبحاً أو مركز تدريب أو أكاديمية رياضية.


أما تحويل الأراضي المخصصة للشباب والرياضة إلى مشاريع تجارية فهو استنزاف لأصول القطاع الرياضي لا تطوير له.


وهنا تبرز المخاوف أكثر: إذا كانت أراضي الوزارة ومنشآتها معرضة لهذا النوع من الاستثمار، ثم تنتقل اليوم إدارتها إلى المحافظات، فمن يضمن بقاءها مخصصة لخدمة الشباب والرياضة ؟


من يتحمل المسؤولية غداً؟

المشكلة الأخطر ليست في نقل الصلاحيات بحد ذاته، وإنما في تشتيت المسؤولية.

إذا أصبحت المنشآت بيد المحافظات والمديريات تدار محلياً والملاكات تتبع الحكومات المحلية والاعتمادات تنتقل إليها، بينما تحتفظ الوزارة بالسياسة العامة، فمن يتحمل مسؤولية أي تراجع قادم؟

من يحاسب على ملعب مهمل؟

من يتحمل مسؤولية منشأة مغلقة؟

من يضمن تنفيذ خطة وطنية موحدة للمنتديات والمراكز الرياضية؟

ومن يمنع تحول الأراضي والمنشآت الرياضية إلى مشاريع تجارية تحت عناوين استثمارية مختلفة؟

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الجهات التي تتقاسم المسؤولية ثم عند الفشل يبدأ كل طرف بإلقاء اللوم على الآخر.

فالرياضة العراقية تحتاج إلى جهة قوية واضحة الصلاحيات واضحة المسؤوليات، تمتلك أدوات التنفيذ وتحاسب على النتائج.


ماذا تريد الحكومة من وزارة الشباب والرياضة؟


إذا كانت الحكومة تمتلك رؤية حقيقية لإصلاح قطاع الشباب والرياضة فعليها أن تشرح بوضوح شكل الوزارة ودورها في المرحلة المقبلة.

هل ستبقى وزارة اتحادية تمتلك صلاحيات حقيقية؟

أم ستتحول إلى جهة تضع السياسات فقط، بينما تنتقل أدوات التنفيذ إلى المحافظات؟



لأن الرياضة ليست سياسة تكتب على الورق فقط، الرياضة ملاعب وقاعات ومنشآت ومواهب ومدربون وبرامج وميزانيات وإدارة.

وإذا جُردت الوزارة من هذه الأدوات، فكيف يُطلب منها أن تكون مسؤولة عن النتائج؟

وهنا تعود الكرة إلى ملعب الحكومة:

إذا كانت الوزارة ستُجرد من منشآتها ومديرياتها ومنتدياتها وملاكاتها واعتماداتها، فما الذي سيبقى لها لتدير به الرياضة العراقية؟.

ختاماً:

الرياضة لا تُبنى بوزارة محدودة الصلاحيات، ولا بمحافظات لم تثبت التجربة أن الرياضة في مقدمة أولوياتها، وإنما تحتاج إلى مؤسسة قوية تملك القرار والأدوات وتتحمل المسؤولية.

أما أن تُسحب من الوزارة صلاحياتها، ثم تُحاسب على نتائج لا تملك أدوات تحقيقها، فذلك ليس إصلاحاً للرياضة… بل تفريغٌ لدورها وإعدامٌ لصلاحياتها على مراحل.

تعليقات