كتب: مهند عامر نوري
قبل سنوات قليلة كانت الأندية العراقية تبحث عن ممول لإقامة معسكر تدريبي أو تنتظر منحة مالية لتسديد رواتب لاعبيها أو تتوسل الحصول على دعم يمكنها من التعاقد مع محترف يصنع الفارق، أما اليوم فقد انقلب المشهد بصورة تدعو إلى الدهشة؛ عقود بمليارات الدنانير ومزايدات لا تتوقف ولاعبون محليون باتت أسعارهم تنافس نجوم دوريات أكثر استقراراً واحترافاً.
فما الذي حدث فجأة؟؛ هل اكتشفت الأندية حقولاً نفطية جديدة؟ أم أن الاستثمار الرياضي في العراق حقق قفزة تاريخية؟ أم أن هناك أموالاً ضخت إلى سوق الانتقالات من دون أن يعرف الجمهور تفاصيل مصادرها وآليات إنفاقها؟
هذه الأسئلة ليست اتهاماً لأحد، لكنها تساؤلات مشروعة يفرضها واقع جديد وغريب تعيشه الكرة العراقية.
الأكثر غرابة أن هذه الطفرة المالية تأتي في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية وضغوطًاً على الموازنة المالية، وتعاني فيه قطاعات خدمية عديدة من نقص التمويل، بينما تتحول سوق الانتقالات الرياضية إلى ساحة مفتوحة للأرقام الفلكية والمنافسة غير المنطقية على اللاعبين.
ومن وجهة نظر الكاتب فإن القيمة الفنية لغالبية اللاعبين الذين أُبرمت معهم هذه العقود لا تستحق إطلاقاً هذه المبالغ الهائلة. فلو كانت الأموال تدفع مقابل نجوم يمتلكون تاريخًا آسيوياً أو إنجازات كبيرة أو قدرة استثنائية على صناعة الفارق لكان الأمر أكثر قابلية للفهم، لكن الواقع يقول إن كثيراً من اللاعبين الذين تحولت أسماؤهم إلى أرقام بمليارات الدنانير لم يقدموا ما يبرر هذا التضخم المالي.
لقد أصبحت الأسعار تصنع في غرف المفاوضات أكثر مما تصنع داخل المستطيل الأخضر، وأصبحت المزايدات هي من تحدد قيمة اللاعب لا الأداء ولا الإنجازات ولا الأرقام الفنية.
والنتيجة؟ تضخم مالي خطير قد يحول سوق الانتقالات إلى فقاعة قابلة للانفجار في أي لحظة.
إن الجماهير التي ترى هذه الأرقام من حقها أن تتساءل: من أين تأتي هذه الأموال؟ وهل تعتمد الأندية على موارد مالية حقيقية ومستدامة؟ وهل توجد معايير واضحة للإنفاق؟ وهل تخضع العقود لرقابة مالية دقيقة تضمن الشفافية وحماية المال العام؟
كما أن من حق الشارع الرياضي أن يطالب الجهات المعنية بمزيد من الوضوح والإفصاح لأن الاحتراف الحقيقي لا يعني دفع الأموال فقط، بل يعني وجود أنظمة مالية واضحة وموازنات معلنة واستثمارات حقيقية ومحاسبة دقيقة لكل دينار يصرف.
إن الكرة العراقية لا تحتاج إلى سباق في الأرقام بقدر حاجتها إلى ملاعب تليق بالدوري وأكاديميات تصنع المواهب وبنى تحتية حديثة ومشاريع استثمارية مستدامة. فهذه هي المشاريع التي تصنع المستقبل، لا العقود التي تثير الضجيج في الصيف ثم تختفي آثارها مع أول صافرة للموسم.
ويبقى السؤال الأكبر الذي ينتظر إجابة: هل ما نشهده اليوم هو بداية عصر احتراف اقتصادي حقيقي في الكرة العراقية أم أننا أمام تضخم مالي لا يستند إلى أسس واضحة؟؛ الأيام وحدها ستجيب لكن المؤكد أن صفقات المليارات لن تصنع كرة قدم عظيمة إذا لم ترافقها الشفافية والرقابة والتخطيط السليم.
