كتب: مهند عامر نوري
بعد 40 عاماً من الانتظار و867 يوماً من القتال، ومن العرق، ومن الإيمان الذي لم ينكسر، خاض منتخبنا الوطني 21 مباراة كتب فيها رجال العراق قصة لا تنسى، قصة شعب لا يعرف المستحيل.
بهذه الكلمات تختصر حكاية تأهل أسود الرافدين إلى نهائيات كأس العالم 2026 التي ستقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في إنجاز أعاد للكرة العراقية بريقها وأعاد للجماهير ثقتها بقدرة منتخبها على المنافسة في أكبر محفل كروي عالمي.
هذا التأهل لم يكن وليد الصدفة بل جاء نتيجة عمل تراكمي طويل، حيث أظهر المنتخب خلال تصفيات الملحق بدءً من مباراة اندونيسيا وصولاً لمباراة بوليفيا شخصية متماسكة وقدرة واضحة على التعامل مع الضغوط إلى جانب تطور ملحوظ في الأداء الجماعي والتنظيم التكتيكي.
ويأتي هذا الإنجاز في نسخة استثنائية من البطولة التي ينظمها الفيفا، حيث ستشهد مشاركة 48 منتخباً وهو ما يرفع من مستوى التنافس ويمنح المنتخبات فرصاً أكبر لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات أعقد خاصة في ظل وجود مدارس كروية مختلفة وأساليب لعب متطورة.
ومع اقتراب موعد البطولة فإن المرحلة المقبلة تعد الأهم في مسيرة منتخبنا الوطني العراقي، إذ تتطلب عملاً احترافياً متكاملاً يبدأ بالحفاظ على الاستقرار الفني وتثبيت هوية واضحة للفريق مروراً برفع الجاهزية البدنية للاعبين بما يتناسب مع نسق المباريات العالي في كأس العالم وصولاً إلى تعزيز الجانب الذهني للتعامل مع ضغط الجماهير والإعلام.
وهنا يبرز الدور المحوري للاتحاد العراقي بكرة القدم الذي يتحمل مسؤولية تهيئة البيئة المثالية للمنتخب من جميع الجوانب، فالمرحلة الحالية تتطلب تخطيطاً دقيقاً لإقامة معسكرات تدريبية داخلية وخارجية في دول تمتلك بنية تحتية متطورة بما يضمن توفير أجواء احترافية للاعبين ويسهم في رفع مستوى الانسجام بينهم.
كما يقع على عاتق الاتحاد تنظيم سلسلة من المباريات الودية القوية مع منتخبات عالمية خصوصاً من المدارس الأوروبية والأفريقية بما يتلاءم مع طريقة لعب منتخبات مجموعتنا، ولما لها من دور كبير في كشف نقاط القوة والضعف ومنح الجهاز الفني صورة واضحة عن مستوى الفريق الحقيقي قبل الدخول في غمار المنافسة، فهكذا المباريات لا تعد مجرد تحضير بل تمثل اختباراً عملياً لقدرة المنتخب على مجاراة نسق اللعب العالمي لمنتخبات متمرسة في كأس العالم.
إلى جانب ذلك يتطلب الإعداد توفير دعم لوجستي متكامل يشمل أفضل الكوادر الطبية والتأهيلية واستخدام التقنيات الحديثة في تحليل الأداء فضلاً عن تأمين برامج غذائية وبدنية دقيقة تتناسب مع متطلبات البطولة. كما أن الاستقرار الإداري والابتعاد عن التغييرات المفاجئة يمثلان عاملاً أساسياً في الحفاظ على تركيز الفريق.
ولا يمكن إغفال أهمية العمل على الجانب النفسي، إذ إن اللاعبين بحاجة إلى إعداد ذهني خاص يمكنهم من التعامل مع رهبة المونديال وتحويل الضغط إلى دافع إيجابي داخل أرض الملعب. وهنا يأتي دور الجهاز الفني والإداري في خلق بيئة داعمة تعزز الثقة وتُرسخ روح الفريق.
الجماهير التي وقفت خلف منتخبنا في كل الظروف تنتظر اليوم مشاركة تليق باسم العراق لا تقتصر على الحضور رغم صعوبة مجموعتنا بل تمتد إلى المنافسة الحقيقية وتقديم صورة مشرفة.
وبين فرحة التأهل وتحديات المرحلة المقبلة يقف أسود الرافدين أمام فرصة تاريخية لإثبات الذات وكتابة صفحة جديدة في سجل الكرة العراقية.
وفي ختام هذه الرحلة التي بدأت بحلم مؤجل وانتهت بفرحة وطن يقف منتخبنا الوطني اليوم على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الطموح والإيمان بقدرة أسود الرافدين على مقارعة الكبار، فما تحقق حتى الآن هو إنجاز يستحق الفخر لكنه في الوقت ذاته مسؤولية أكبر تتطلب عملاً يليق باسم العراق وكرته وتاريخه، وإن المونديال ليس محطة عابرة بل فرصة لكتابة مجد جديد وفرصة ليثبت هذا الجيل أن الحلم العراقي لا يتوقف عند حدود التأهل فقط، بل يمتد ليصنع حضوراً يخلده التاريخ، وبين عزيمة اللاعبين ودعم الجماهير يبقى الأمل معقوداً على أن يكون العراق في هذه النسخة من كأس العالم 2026 أكثر من مجرد مشارك… بل قصة نجاح تروى للأجيال القادمة.
